الإمام أبي حنيفة 80-150هـ
هو النعمان بن ثابت الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، فقيه أهل العراق، وإمام أصحاب الرأي من أبناء فارس الأحرار.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: أبو حنيفة النعمان بن ثابت كوفي تيمي من رهط حمزة الزيات، وكان خزازا يبيع الخز.
وقال يحيى بن معين: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ.
وقال مُرة: كان أبو حنيفة عندنا من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا.
قال الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها، فقيل: تعلم القرآن. فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك، أو يساويك في الحفظ، فتذهب رئاستك. قلت: فان سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني ؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك. فقلت: لا حاجة لي في هذا.
ثم قلت: أتعلّم النحو. فقلت: إذا حفظت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلما، فأكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة قلت: وهذا لا عاقبة له.
قلت: فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ما يكون أمري ؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك أو يحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره ؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل، وإما أن تسلم فتكون مذموما ملوما. قلت: فان تعلمت الفقه ؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا. قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته.
قال زفر بن الهذيل، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان فجاءتني امرأة يوما، فقالت لي: رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول، فأمرتها أن تسأل حمادًا، ثم ترجع فتخبرني، فسألت حمادًا، فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت، فقد حلت للأزاوج. فرجعت فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يغيرها من الغد فأحفظها ويخطئ أصحابه.
فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة، فصحبته عشر سنين، ثم نازعتني نفسي الطلب للرئاسة فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجت يوما بالعَشي، وعزمي أن أفعل، فلما دخلت المسجد، فرأيته لم تطب نفسي أن أعتزله، فجئت فجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالا، وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت علي مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي، فغاب شهرين، ثم قدم فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوا من ستين مسألة، فوافقني في أربعين، وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: قال أبو حنيفة: قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شئ إلا أجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمّادًا حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة.
قال: أبو يحيى الحماني، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت رؤيا فأفزعتني، رأيت كأني أنبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيت البصرة، فأمرت رجلا يسأل محمد بن سيرين، فسأله، فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل للقاسم بن معن بن عبد الرحمان ابن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة ؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة، وقال له القاسم: تعال معي إليه، فجاء فلما جاء إليه لزمه، وقال: ما رأيت مثل هذا.
زاد الفرائضي: قال سليمان: وكان أبو حنيفة ورِعا سخيا.
قال: الشافعي محمد بن إدريس: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.
قال عبد الله بن المبارك : رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله.
قال ابن المبارك: إن كان أحد ينبغي له أن يقول برأيه، فأبو حنيفة ينبغي له أن يقول برأيه.
قال: محمد بن بشر، قال: كنت أختلف إلى أبي حنيفة وإلى سفيان، فآتي أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان، فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله. فآتي سفيان فيقول: من أين جئت ؟ فأقول من عند أبي حنيفة فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض.
قال يحيى بن زبان: قال لي أبو حنيفة: يا أهل البصرة أنتم أورع منا ونحن أفقه منكم.
قال: أبو نعيم، قال: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل.
قال: عبد الله بن داود الخريبي: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه.
قال أحمد بن محمد البلخي: سمعت شداد بن حكيم يقول: ما رأيت أعلم من أبي حنيفة.
قال: مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه.
قال: يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.
قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين ويختار قوله من أقوالهم ويتبع رأيه من بين أصحابه.
قال: محمد بن إدريس الشافعي من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.
قال أسد بن عمرو : صلى أبو حنيفة فيما حُفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، فكان عامَّة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى يرحمه جيرانه وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة.
قال حماد بن أبي حنيفة: لما مات أبي سألنا الحسن ابن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله، غفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم يتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدَك وفضحت القراء.
قال أبي يوسف، قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعا.
قال مسعر بن كدام: دخلت ذات ليلة المسجد، فرأيت رجلا يُصلي، فاستمليت قراءته، فقرأ سبعًا، فقلت: يركع، ثم قرأ الثلث، ثم النصف، فلم يزل يقرأ القرآن حتى ختمه كله في ركعة، فنظرت فإذا هو أبو حنيفة.
قال: خارجة بن مصعب: ختم القرآن في ركعة أربعة من الأئمة: عثمان ابن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة.
قال يحيى بن نصر: كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة !
حدثنا علي بن حفص البزاز، قال: كان حفص بن عبد الرحمان شريك أبي حنيفة وكان أبو حنيفة يجهز عليه فبعث إليه في رفقة بمتاع وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبا، فإذا بعته فبين، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.
قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدا أورع من أبي حنيفة، وقد جرب بالسياط والأموال. كلّم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة، فأبى عليه، فضربه مئة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله.
قال خارجة بن مصعب: أجاز المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم، فدعي ليقبضها، فشاورني، وقال: هذا رجل أن رددتها عليه غضب وان قبلتها دخل علي في ديني ما أكره، فقلت: إن هذا المال عظيم في عينه، فإذا دعيت لتقبضها فقل: لم يكن هذا أملي من أمير المؤمنين. فدعي ليقبضها، فقال ذلك، فرفع إليه خبره، فحبس الجائزة. قال: فكان أبو حنيفة لا يكاد يشاور في أمره غيري.
قال: يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة.
قال محمد ابن عبد الله الأنصاري: كان أبو حنيفة يتبين عقله في منطقه ومشيه ومدخله ومخرجه.
قال حجر بن عبد الجبار: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا إكرامًا لأصحابه.
قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما فقتله، فاخبر أبو حنيفة، فقال: انظروا البغل الذي رمحه الذي سماه عمر، فنظروا فكان كذلك !
قال مساور الوراق:
كنا من الدين قبل اليوم في ســعة
حتى ابتلينا بأصحاب المقاييـــس.
قاموا من السوق إذ قلت مكاسبهم
فاستعملوا الرأي عند الفقر والبؤس.
ما العريب فأمســوا لا عطاء لـهم
وفي المــوالي علامات المغاليـــس.
فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا، نحن نرضيك، فبعث إليه بدراهم، فقال:
إذا ما أهل مصر بادهــــــونا
بداهية من الفتـــــــيا لطيفـــة
أتيناهم بمقيـــاس صـــــحيح
صليب من طراز أبي حنيفة
إذا سمع الفقــــيه به حــــواه
وأثبته بحــــــبر في صحيفة
قال محمد بن احمد بن يعقوب، قال: حدثنا جدي، قال: أملى علي بعض أصحابنا أبياتا مدح بها عبد الله بن المبارك أبا حنيفة:
رأيت أبا حنيــــــــفة كل يوم
يزيد نبــــــالة ويـــزيد خيرا
وينطق بالصواب ويصطفيه
إذا ما قال أهل الجور جورا.
يقايس من يقايســــــــه بلب
فمن ذا تجعلون له نظــــيرا.
كفانا فقد حمـــــــــاد وكانت
مصيـــــبتنا به أمرا كبــيرا.
فرد شـــــماتة الأعـداء عنا
وأبدى بعده علما كثـــــيرا.
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى
ويطلب علمه بحرا غزيرا.
إذا ما المشكلات تدافعتها
رجال العلم كان بها بصيرا.
قال: عبد الله بن داود يقول: الناس في أبي حنيفة رجلان: جاهل به وحاسد له.
قال وكيع: دخلت على أبي حنيفة فرأيته مطرقا مفكرا، فقال لي: من أين أقبلت ؟ من عند شريك، ورفع رأسه، وأنشأ يقول:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم
قبلـــــي من الناس أهل الفضل قد حســدوا
فدام لـــي ولهم مابــي وما بهم
ومات أكثرنا غيـــــظا بما يجد
قال وكيع: وأظنه كأن بلغه عنه شئ.
قال: أحمد بن عبد قاضي الري، قال: حدثنا أبي، قال: كنا عند ابن عائشة، فذكر حديثًا لأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده، فقال لهم: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلا إلا ما قال الشاعر:
أقلوا عليهم ويلكم لا أبــــــالكم من اللوم
أو سُدوا المــــكان الذي سَدُّوا.
قال: يحيى بن ضريس : شهدت سفيان وأتاه رجل، فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة ؟ قال: وماله ؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله، فما لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر أو جاء إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيب وعدد رجالا، فقوم اجتهدوا، فاجتهد كما اجتهدوا.
قال: فسكت سفيان طويلا، ثم قال كلمات برأيه ما بقي أحد في المجلس إلا كتبه: نسمع الشديد من الحديث فنخافه، ونسمع اللين فنرجوه، ولا نحاسب الأحياء، ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعنا، ونكل ما لا نعلم إلى عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم.
قال الحسن بن يوسف الرجل الصالح: يوم مات أبو حنيفة صلى عليه ست مرات من كثرة الزحام آخرهم صلى عليه ابنه حماد، وغسّله الحسن بن عمارة ورجل آخر .
|