الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه
هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي. وشاذلة قرية من أفريقية، الضرير الزاهد نزيل الإسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، وكان كبير المقدار عالي المنار له عبارات فيها رموز.
وحج مرات، ومات بصحراء عيذاب قاصداً الحج فدفن هناك في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة.
وشهد له الشيخ أبو عبد الله بن النعمان بالقطبانية، جاء رضي الله عنه في هذه الطريق بالعجب العجاب، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه يقول ما رأيت أعرف بالله من الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه.
من كلامه رضي الله عنه:
عليك بالاستغفار وإن لم يكن هناك ذنب، واعتبر باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد البشارة واليقين بمغفرة ما تقدم من ذنبه، وما تأخر هذا في معصوم لم يقترف ذنباً قط وتقدس عن ذلك فما ظنك بمن لا يخلو عن العيب، والذنب في وقت من الأوقات!.
وكان رضي الله عنه يقول إذا عارض كشفك الكتاب، والسنة فتمسك بالكتاب، والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب، والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام، ولا المشاهدة مع أنهم أجمعوا على أنه لا ينبغي العمل بالكشف، ولا الإلهام، ولا المشاهدة إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة.
وكان يقول: إذا كثر عليك الخواطر، والوساوس فقل سبحان الملك الخلاق: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}[فاطر: 16-17]
وكان يقول: لا تجد الروح، والمدد ويصح لك مقام الرجال حتى لا يبقى في قلبك تعلق بعلمك، ولا جدك، ولا اجتهادك، وتيأس من الكل دون الله تعالى.
وكان رضي الله عنه يقول: ارجع عن منازعة ربك تكن موحداً، واعمل بأركان الشرع تكن سنياً، واجمع بينهما تكن محققاً.
وكان يقول: من أحب أن لا يعصي الله تعالى في مملكته فقد أحب أن لا تظهر مغفرته، ورحمته وأن لا يكون لنبيه صلى الله عليه وسلم شفاعة.
وكان يقول: لا تشم رائحة الولاية، وأنت غير زاهد في الدنيا وأهلها.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما حقيقة المتابعة؟ فقال رؤية المتبوع عند كل شيء، ومع كل شيء وفي كل شيء.
وكان يقول: من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعي.
وكان يقول: إذا انتصر الفقير لنفسه، وأجاب عنها فهو والتراب سواء.
وكان يقول: إذا لم يواظب الفقير على حضور الصلوات الخمس في الجماعة فلا تعبأن به.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا استحسنت شيئاً من أحوالك الباطنة أو الظاهرة، وخفت زواله فقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وكان يقول: لا يتم للعالم سلوك طريق القوم إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح.
وكان رضي الله عنه يقول: من أراد عز الدارين فليدخل في مذهبنا يومين فقال: له القائل كيف لي بذلك قال: فرق الأصنام عن قلبك، وأرح من الدنيا بدنك، ثم كن كيف شئت فإن الله تعالى لا يعذب العبد على مد رجليه مع استصحاب التواضع للاستراحة من التعب، وإنما يعذبه على تعب يصحبه التكبر.
وكان يقول: ليس هذا الطريق بالرهبانية، ولا بأكل الشعير، والنخالة، وإنما هو بالصبر على الأوامر واليقين في الهداية قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ}[السجدة: 24]
وكان يقول: من لم يزدد بعلمه عمله افتقاراً لربه، وتواضعاً لخلقه فهو هالك.
وكان يقول: إلزم جماعة المؤمنين، وإن كانوا عصاة فاسقين، وأقم عليهم الحدود، واهجرهم لهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، وتقريعاً لهم.
وكان يقول لا تعطي الكرامات من طلبها، وحدث بها نفسه، ولا من استعمل نفسه في طلبها، وإنما يعطاها من لا يرى نفسه، ولا عمله، وهو مشغول بمحاب الله تعالى ناظر لفضل الله آيس من نفسه، وعمله.
وكان يقول: ما ثمَّ كرامة أعظم من كرامة الإيمان، ومتابعة السنة فمن أعطيهما وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب أو ذو خطأ في العلم بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك فاشتاق إلى سياسة الدواب.
وكان يقول: كل كرامة لا يصحبها الرضا من الله، وعن الله، والمحبة لله، ومن الله فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص هالك مثبور.
وكان يقول سمعت هاتفاً يقول: إن أردت كرامتي فعليك بطاعتي، وبالإعراض عن معصيتي.
وكان يقول: لا تركن إلى علم، ولا مدد، وكن بالله، واحذر أن تنشر علمك ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله تعالى.
وكان يقول: العلوم على القلوب كالدراهم والدنانير في الأيدي إن شاء الله تعالى نفعك بها. وإن شاء ضرك.
وكان يقول: من الشهوة الخفية للولي إرادته النصرة على من ظلمه، وقال تعالى للمعصوم الأكبر: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] أي فإن الله تعالى قد لا يشاء إهلاكهم.
وكان يقول: كل اسم تستدعى به نعمة أو تستكفي به نقمة فهو حجاب عن الذات، وعن التوحيد بالصفات، وهذا لأهل المراتب، والمقامات، وأما عوام المؤمنين فهم عن ذلك معزولون، وإلى حدودهم يرجعون ومن أجورهم من الله لا يبخسون.
وكان يقول: العارف بالله تعالى لا تنغصه حظوظ النفس لأنه بالله تعالى فيما يأخذ وفيما يترك إلا إن كانت الحظوظ معاصي.
وكان يقول: إذا أهان الله عبداً كشف له حظوظ نفسه وستر عنه عيوب دينه فهو يتقلب في شهواته حتى يهلك، ولا يشعر.
وكان يقول: إياك والوقوع في المعصية المرة بعد المرة فإن من تعدى حدود الله فهم الظالم، والظالم لا يكون إماماً، ومن ترك المعاصي، وصبر على ما ابتلاه الله وأيقن بوعد الله، ووعيده فهو الإمام، وإن قلت أتباعه.
وكان رضي الله عنه يقول: مريد واحد يصلح أن يكون محلا لوضع أسرارك خير من ألف مريد لا يكونون محلا لوضع أسرارك.
وكان يقول: إذ امتلأ القلب بأنوار الله تعالى عميت بصيرته عن المناقص والمذام المقيدة في عباده المؤمنين.
وكان يقول: من ادعى فتح عين قلبه وهو يتصنع بطاعة الله تعالى أو يطمع فيما في أيدي خلق الله تعالى فهو كاذب.
وكان يقول: التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية.
وكان يقول: الصوفي يرى وجوده كالهباء في الهواء غير موجود ولا معدوم حسب ما هو عليه في علم الله.
وسئل رضي الله عنه الحقائق فقال الحقائق هي المعاني القائمة في القلوب، وما اتضح لها، وانكشف من الغيوب وهي منح من الله تعالى، وكرامات، وبها وصلوا إلى البر، والطاعات ودليلها قوله لحارثة كيف أصبحت؟ قال أصبحت مؤمناً حقاً الحديث.
وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق الوجود فني عن كل موجود، ومن كان بالوجود ثبت له كل موجود.
وكان يقول: أثبت أفعال العباد بإثبات الله تعالى، ولا يضرك ذلك، وإنما يضرك الإثبات بهم، ومنهم.
وكان يقول: حقيقة زوال الهوى من القلب حب لقاء الله تعالى في كل نفس من غير اختبار حالة يكون المرء عليها.
وكان يقول: حقيقة القرب الغيبة بالقرب عن القرب لعظم القربة.
وكان يقول: لن يصل العبد إلى الله وبقي معه شهوة من شهواته، ولا مشيئة من مشيئاته.
وكان يقول: كل ورع لا يثمر لك العلم، والنور فلا تعد له أجراً، وكل سيئة يعقبها الخوف، والهرب إلى الله تعالى فلا تعد لها وزراً.
وكان يقول: لا ترقي قبل أن يرقي بك فتزل قدمك.
وكان يقول: أشقي الناس من يعترض على مولاه وأركس في تدبير دنياه، ونسي المبدأ، والمنتهى والعمل لأخراه.
وكان يقول: مراكز النفس أربعة مركز للشهوة في المخالفات، مركز للشهوة في الطاعات، ومركز في الميل إلى الراحات، ومركز في العجز عن أداء المفروضات {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}[التوبة: 5] الآية.
وكان يقول: إن من أعظم القربات عند الله تعالى مفارقة النفس بقطع إرادتها، وطلب الخلاص منها بترك ما يهوي لما يرجي من حياتها.
وكان رضي الله عنه يقول: إن من أشقي الناس من يحب أن يعامله الناس بكل ما يريد، وهو لا يجد من نفسه بعض ما يريد، وطالب نفسك بإكرامك لهم، ولا تطالبهم بإكرامهم لك لا تكلف إلا نفسك.
وكان يقول: قد يئست من منفعة نفسي لنفسي فكيف لا أيأس من منفعة غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي.
وكان يقول: إن أردت أن لا يصدأ لك قلب، ولا يلحقك هم، ولا كرب، ولا يبقي عليك ذنب فأكثر من قول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لا إله إلا هو اللهم ثبت علمها في قلبي واغفر لي ذنبي.
وكان يقول: لا كبيرة عندنا أكبر من اثنتين: حب الدنيا بالإيثار، والمقام على الجهل بالرضا لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمقام على الجهل أصل كل معصية.
وكان يقول إن أردت أن تكون مرتبطاً بالحق فتبرأ من نفسك، واخرج عن حولك وقوتك.
وكان يقول: إن أردت الصدق في القول فأكثر من قراءة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[القدر: 1]
وإن أردت الإخلاص في جميع أحوالك فكثر من قراءة:{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص: 1]
وإن أردت تيسير الرزق فأكثر من قراءة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}[الفلق: 1] وإن أردت السلامة من الشر فأكثر من قراءة: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}[الناس: 1].
وكان يقول: أربع لا ينفع معهم علم: حب الدنيا، ونسيان الآخرة، وخوف الفقر وخوف الناس.
وكان يقول: أصدق الأقوال عند الله تعالى قول لا إله إلا الله على النظافة، وأدل الأعمال على محبته تعالى لك بغض الدنيا واليأس من أهلها على الموافقة.
وكان يقول: لا تسرف بترك الدنيا فيغشاك ظلمتها، وتنحل أعضاؤك لها فترجع لمعانقتها بعد الخروج منها بالهمة أو بالفكرة أو بالإرادة أو بالحركة.
وكان رضي الله عنه يقول: لا تقوى لمحب الدنيا إنما التقوى لمن أعرض عنها. وكان يقول: إذا توجهت لشيء من عمل الدنيا، والآخرة فقل: يا قوي يا عزيز يا عليم يا قدير يا سميع يا بصير.
وكان يقول: إذا ورد عليك مزيد من الدنيا والآخرة فقل { حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}[التوبة: 59] .
وكان يقول: خصلة واحدة إذا فعلها العبد صار إمام الناس من أهل عصره، وهي الإعراض عن الدنيا، واحتمال الأذى من أهلها.
وكان يقول: إذا تداين أحدكم فليتوجه بقلبه إلى الله تعالى، ويتداين على الله تعالى فإن كل ما تداينه العبد على الله تعالى فعلى الله أداؤه.
وكان يقول: خصلة واحدة تحبط الأعمال، ولا يتنبه لها كثير من الناس وهي سخط العبد على قضاء الله تعالى. قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[محمد: 9].
وكان يقول: لا يترك منازعة الناس في الدنيا إلا المؤمن بالقسمة.
وكان يقول: كل حسنة لا تثمر نوراً أو علماً في الوقت فلا تعد لها أجراً، وكل سيئة أثمرت خوفاً من الله تعالى، ورجوعاً إليه فلا تعد لها وزراً.
وكان يقول: حسنتان لا يضر معهما كثرة السيئات الرضا بقضاء الله، والصفح عن عباد الله.
وكان يقول رضي الله عنه: من فارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من باطنه، ولزم حفظ جوارحه، ومراعاة سره أتته الزوائد من ربه، ووكل به حارساً يحرسه من عنده، وأخذ الله بيده خفضاً ورفعاً في جميع أموره، والزوائد هي زوائد العلم واليقين، والمعرفة.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يوصف العبد بأنه قد هجر المعاصي إلا إن كانت لم تخطر له على بال فإن حقيقة الهجر نسيان المهجور هذا في حق الكاملين فإن لم يكن كذلك فليهجر على المكابدة، والمجاهدة.
وكان يقول: لا يتزحزح العبد عن النار إلا إن كف جوارحه عن معصية الله، وتزين بحفظ أمانة الله، وفتح قلبه لمشاهدة الله، ولسانه وسره لمناجاة الله، ورفع الحجاب بينه وبين صفات الله وأشهده الله تعالى أرواح كلماته.
وكان يقول الغل هو ربط القلب على الخيانة، والمكر، والخديعة، والحقد هو شدة ربط القلب على الخيانة المذكورة.
وكان يقول: اتق الله في الفاحشة جملة وتفصيلا وفي الميل إلى الدنيا صورة وتمثيلا.
وكان يقول: عقوبة ارتكاب المحرمات بالعذاب، وعقوبة أهل الطاعات بالحجاب لما يقع لهم فيها من سوء الأدب، وعقوبة المراكنات ترك المزيد، وعقوبة القلق والاستعجال هلاك السر .
وكان يقول: من اعترض على أحوال الرجال فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات أخر موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس ثم لا يجد من يرحمه منهم.
وكان الشيخ مكين الدين الأسمر رضي الله عنه يقول: الناس يدعون إلى باب الله تعالى وأبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يدخلهم على الله.
وكان الشاذلي رضي الله عنه يقول: من النفاق التظاهر يفعل السنة، والله يعلم منه غير ذلك، ومن الشرك بالله اتخاذ الأولياء، والشفعاء دون الله قال الله تعالى: { مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4]
وقال لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله، وهذه هيئتك تقول: أعطوني شيئاً من دنياكم.
|