إسلاميات
علوم
Sciences
 
موقع البدر - د.الحسيني - الندوات - الدعوة في الخطاب الديني   
Symposia الندوات
 
الدعوة في الخطاب الديني
الدورة التأهيلية لخطباء حلب التي تقيمها مديرية أوقاف حلب بتوجيه وزارة الأوقاف السورية
سورية حلب
17/5/2009
 
ملف نصي   كتاب إلكتروني   مشاركة القراء
‏1.‏ تمهيد في معنى الخطاب الديني الإسلامي
قبل الحديث عن الدعوة في الخطاب لا بد من تحديد دلالة لفظ (الخطاب)‏
فقد يلتبس معنى (الخطاب) بمعنى(الخطابة) ودلالة لفظ (الخطاب) ليست مطابقة لدلالة لفظ (الخطابة) ‏لأن الخطابة هي شكل من أشكال الخطاب، الذي تندرج فيه المحاضرة والحديث الوعظي والمقالة ‏والكتاب... ‏
إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ {23}ص
غلبني ببيانه
فالخطاب: تبيين يحمل في ألفاظه مضموناتٍ يُرادُ إيصالها إلى المتلقي.‏
وحتى يكون الخطابُ الديني إسلامياً عليه أن ينبثق من مقاصد الشريعة، وأن ينسجم مع روحها، وأن لا يتجاوز ‏أصولها الثابتة ونصوصها القطعية التي لا يصح الخروج عليها.‏
‏2.‏ سلبيات الخطاب الحاضر:‏
لكن هل واقع خطابنا الحاضر يعبر عن الخطاب الإسلامي الذي من المفترض أن يكون:‏
‏- منبثقا من ينبوع الشريعة.‏
‏- وبالغا جفاف أرض القلوب.‏
‏- ومحييا مواتها.‏
‏- ومثمرا أكلها؟
أم أننا نخاطب بخطاب قاصر، لا يبلغ الناس، ولا يلامس واقعهم، ولا يلبي حاجتهم، ولا يعالج عللهم، ولا ‏يرتقي بهم إلى مراقي صلاحهم ونهضتهم وحيويتهم؟
فمن أبرز سلبيات الخطاب الحاضر:‏
‏‏1-‏ السردية العجولة، يسوق الأخبار والآثار والحكايات والعبر والعظات دون أن يتساءل عن الذي ‏تم تقديمه هل كان سوقه مناسباً لأولويات المخاطبين وحاجاتهم أم لا؟.‏
‏‏‏2-‏ الانشغال عن أهداف الخطاب بمقاصد غريبة عنه:‏
فمنه الانشغال بمديح الذات، من أجل جذب المزيد من الأنصار والأتباع.‏
ومنه الانشغال بتكرير فضائل المرجعيات التي أسهمت في صناعة خطابنا.‏
ومنه الانشغال بالتدافع الذي يتولد بين الجماعات فتلقي بسببه الأهواء على العقل ما يشبه الغشاء أو النظارة، ‏فيرى من خلالها ويصدر الأحكام ملونة بألوانها
ومنه الانشغال بالرد على الخصوم مع نسيان رسالة الدعوة والبناء.‏
‏‏‏3-‏ البعد عن الموضوعية لاسيما بالمبالغة والتهويل ‏
وقد عانى بعض تراثنا من المبالغة الكلامية، وتلك المبالغة كانت عامة وشاملة لكتب التاريخ وكتب الأدب والسرد ‏والقص , والدواوين الشعرية ونجد فيها من المبالغة في المدح والوصف ما يشعرنا بالأسف.‏
وربما كان المحدثون أفضل من نجا منها بسبب اهتمامهم بأصول النقل والتحديث واهتمامهم بعلم الرجال وعلم ‏الجرح والتعديل.‏
ومن أشكال المبالغة إبراز سيئات الخصوم ونقائصهم على نحو يشعر المتلقي بأن الذين يتحدث عنهم مجردون من ‏أي فضيلة ، قال تعالى:‏
‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ ‏لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة: 8] ,وأخبرنا سبحانه بوصية شعيب عليه السلام لقومه ‏حين قال: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ ‏خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[الأعراف: 85]‏
ومن المبالغة أننا ربما في أحيان كثيرة نسحب عصمة المنهج الرباني الأقوم على بعض أساليبنا، وننسب لأنفسنا ‏بالتالي قدسية النص المقدس من غير دليل قطعي منه.‏
‏‏‏4-‏ التعميم والجهل بالتنوع والتدرج في واقع المخلوقات، وفي سلوكيات البشر:‏
وقد وضح لنا القرآن الكريم تفاوت عداوة غير المسلمين، كما وضح لنا تفاوت أخلاق أهل الكتاب، ‏وأنهم ليسوا على منهج واحد، يقول تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ‏وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا ‏يَسْتَكْبِرُونَ}[المائدة: 82] وقال سبحانه: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ ‏تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ‏الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[آل عمران: 75]‏
‏ مثلا قد يصور بعضهم الغرب وكأنه صف واحد، ولا يفرق بين شعوبه وحكوماته، بل ولا يفرق بين ‏حكومة معتدلة أو متطرفة فيه، ثم يجعل ذلك الصف الواحد متماسكا من أجل مقاومة الصحوة ‏الإسلامية، وهذا الكلام كله يفتقر إلى معرفة الواقع المخالف.‏
‏‏‏5-‏ المثالية:‏
وهي تستحوذ عواطف الجمهور، كقول بعضهم: إننا أحوج ما نكون إلى إنسان يستغني عما عند الغربيين، من ‏كماليات وترفيات وترفيهات، إنسان قادر على ضبط نفسه بالقناعة والزهد يعيش على نصف بطنه ، ويشد ‏عليها الحجر ، ويقول ما قالت العربية ميسون:‏
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب ألي من قصر منيف.‏
إن هذا الكلام مثالي ولا يطبقه قائله وهو غير قابل للتطبيق، ولو طبقه أحد فهو أندر النادر.‏
إن الله جل وعلا يعلمنا في العديد من الآيات القرآنية كيف نفقه نقاط الضعف البشري، وكيف يمكن أن تكون ‏مراعاتها. قال الله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ ‏سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا ‏أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}[البقرة: 145]‏
‏‏‏6-‏ الانغلاق:‏
قد يتمثل الانغلاق في الخوف على أتباعنا والمحسوبين علينا؟
وقد يكون الانغلاق في تكوين صورة عن الآخر ومحاكمته باستمرار على أساس تلك الصورة.‏
وقد يكون الانغلاق بشكل وثوقية زائدة بفكرة يحملها صاحب الخطاب مع نظرة الاستخفاف بما لدى الآخرين ‏وقد يكون الانغلاق رفض الآخر تماما، وهو يتنافى مع روح الدعوة وأمل الإصلاح الذي يتوجه إلى كل الأصناف ‏البشرية مهما كانت سوداوية في سلوكها.‏
‏‏‏7-‏ الإسراف في الوعظية والتوجيه المباشر القاسي بالأمر والنهي إلى حد الوقوع في آفة التكرار ‏الممل، والمطلوب زرع البذرة قبل السؤال عن ثمرتها.‏
‏‏‏8-‏ الاهتمام بالألفاظ المنمقة ولو كانت فارغة من المضمون العملي:‏
ومثل هذا الخطاب هو إلى أن يكون خطاب ضجيج أقرب من أن يكون خطاب توعية وتغيير وإصلاح: ‏‏........ ...... ...... ما هكذا تورد يا سعد الإبل
‏‏‏9-‏ نشر الإحباط في الأمة بالحديث أننا وصلنا إلى قعر الهاوية، وأن ما نحن فيه من ضعف لم يمر مثله ‏أو أسوأ منه على الأمة في تاريخها الطويل. وإن تلك التحليلات تفتقر إلى الدقة، إذ أن من الواضح ‏أن السقوط لا قعر له، إذ كلما قلنا: إننا وصلنا إلى منتهى السوء كان هناك ما هو أسوأ . ولهذا ‏فليس لأحد أن يقول: إننا في وضعية هي الأسوأ ، كما أن معلوماتنا عن حدة المشكلات ‏الأخلاقية والاجتماعية التي عانى منها المسلمون في القرون السابقة غير جيدة ولا كافية حتى نتمكن ‏من المقارنة. إن تغيير اتجاه الواقع أو تحريك ركوده، ليس بالأمر اليسير، كما هو واضح،
هناك اليوم من يؤكد أن الأمة سائرة في طريقها إلى الفناء، فقد حلّ آخر الزمان، ودنت الساعة، ‏ومن ثم فلا فائدة من السعي ولا ثمرة للعمل ما دمنا متجهين نحو العدم.‏
‏‏‏10-‏ الخطاب المتوتر الذي يعاني من الحدة:‏
فالنقد اللاذع مهيمن على بعض أوساط الخطاب الديني ، وكذا الهجوم العنيف على المخالفين والمناوئين ولا شك ‏أن الدافع إلى هذا كثيراً ما يكون الإحساس بالغيرة الحميدة على حرمات الدين وكرامة الأمة ومستقبلها، لكن ‏العملية التربوية والإصلاحية تطلب هدوءا ومعالجة واقعية أكثر من عواصف الانفعال.‏
وبعض الكلام يقتل، وبعضه يجرح، وبعضه يرفع، وبعضه يدل على الخير ويمهد سبله، وبعضه يدل على الشر ‏ويمهد سبله، ولهذا فلابد من التحلي بالحرص الشديد في ألفاظ الخطاب وانفعالاته.‏
إن درجة من العاطفة والحرارة المعبرة عن الصدق والاهتمام والجدية، تظل مطلوبة لنجاح الخطاب الإسلامي، ‏لكن بشرط أن نكون على وعي بالفارق بين الانفعال والتفاعل، فالانفعال يتصل بردود الأفعال، وهي غالباً غير ‏متزنة، والمنفعل يتسم بالآنية وقصر النفَس، أما التفاعل فإنه يعني امتلاك القابلية للاستفادة والاقتباس والتغيير ‏والإصلاح ، وهو يقوم أساساً على الاعتقاد بأننا غير كاملين، ونكون قابلين بهذا للتفاعل بدلا من الانفعال.‏
‏‏‏11-‏ عدم فهم ظروف المخاطَب، واستعمال قوالب الخطاب مسبقة الصنع التي تعمى عن بيئة المخاطب ‏وظروفه، وأكثر إخفاقات الخطاب الإسلامي سببها أننا لم نستطع الدخول إلى عالم المخاطبين ‏على النحو المطلوب لنعرف ما يحفزهم على الاستجابة، وما يحول بينهم وبينها.‏
‏‏‏12-‏ تجاهل الواقع العولمي الجديد:‏
فقد انتشرت في العالم اليوم قوى تثقيفية جبارة من الانترنت والفضائيات والأعمال (الدرامية) وهذه القوى تقوم ‏بصناعة الثقافة الشعبية وتوجيهها. ولن نستطيع فهم الواقع إلا إذا عرفنا هذه الثقافة ، التفاعل مع الواقع يعني فهم ‏الظروف المحيطة بالناس وفهم نقاط الضعف المتأصلة في طباعهم وفهم الضغوضات الهائلة التي تفرضها عليهم ‏الحضارة المادية الحديثة.‏
‏‏‏13-‏ الفجوة بين ما نقول، وما نفعل:‏

والله تعالى يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا ‏تَفْعَلُونَ}[الصف: 2-3] والمسافة بين القول والفعل هي عين المسافة بين الصحة والمرض.‏

‏3.‏ كيف نرتقي في الخطاب:‏
‏‏‏1-‏ إحضار مقصود الدعوة في الخطاب:‏
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ {33}فصلت
والدعوة إلى الله هي غير الدعوة إلى النفس والمكاسب الشخصانية، ولن يتحقق هذا الإخلاص في المقصد إلا ‏بذكر الله و مجاهدة النفس.‏
‏‏‏2-‏ الانسجام بين القول والفعل:‏
وَعَمِلَ صَالِحًا {33}فصلت
بموافقة الاستقامة الشرعية وهجر النفس لأهوائها المخالفة للشريعة ولو بالمجاهدة
‏‏‏3-‏ الانتماء إلى الإسلام بدلا من الانتماءات الضيقة:‏
‏ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {33}فصلت
فالانتماءات الضيقة قد تكون أداة مفيدة لجمع الهمة وتصفية المقاصد، لكنها تنقلب إلى داء قاتل حين ‏تتحول إلى هدف يعمي الدعاة عن رؤية روابط الإيمان الكبرى بين أفراد الأمة ‏
‏‏‏4-‏ الارتقاء المعرفي والثقافي عن طريق الاطلاع والتواصل مع القنوات العلمية والثقافية المختلفة، ‏
لا يمكن تقدم الخطاب ليكون موضوعيا ودقيقا دون إعادة التأهيل المستمر ‏
‏- بإدامة القراءة في المصادر الصحيحة والمراجع المعتمدة والموسوعات الحديثة الموثوقة.‏
‏- وحوار المتعلمين والمثقفين.‏
‏- والاطلاع العام المختصر على بدهيات العلوم الكونية من مصادرها الموثوقة (وهي من سنن الله في ‏الكون والإنسان) واجتناب نقل معلومة كونية في الخطاب من غير توثيق توهما أنه بهذا يخدم الإسلام. ‏
فمعرفة سنن الله تعالى في الكون والإنسان تجعل الخطاب عميقَ الصلة بالواقع والجهل بسنن الله في ‏الكون والإنسان يجعل الخطاب سطحيا وبعيدا عن الواقع..‏
والخطاب هو انعكاس لشخصياتنا وقناعاتنا التي انتهينا إليها، ومن المؤكد أن الأرضية الثقافية لصاحب ‏الخطاب تؤثر في مستوى الخطاب، كما أن الخبرة التراكمية الإصلاحية والتربوية تؤثر في مستوى ‏الخطاب.‏
‏‏‏5-‏ الاعتراف بالقصور الإنساني ووترك الادعاء بمعرفة ما لا يعرف، وإحالة المجهول عنده إلى أهل ‏اختصاصه من غير خجل:‏
‏{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}[الإسراء: 85] {وَلَا تَقْفُ مَا ‏لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء: 36] {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ ‏عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[النجم: 28]‏
‏‏‏6-‏ توخي الدقة في استعمال الكلمة الدالة على المدلول المحدد ‏
فوعي الخطاب يتطلب الفهم الدقيق لمكوناته اللفظية والاصطلاحية وهو يحتاج إلى ثقافة علمية وعقلية.‏
‏(الوحدة، الانشقاق، التقدم، التخلف، الالتزام، الإصلاح...)‏
إن قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في ‏النار) صحيح البخاري أخرجه الترمذي وغيره. وقوله : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما ‏يظن أنه تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ‏ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة) أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما. ‏يشكل حضاً لكل مسلم في أن يتأمل في كلامه قبل أن يفتح فمه
فالخطاب الإسلامي مطالب بالوقوف في تقريراته عند حدود الأدلة الصحيحة نقلا والبراهين المعتبرة ‏عقلا وتجربة في إطار معطيات العلم.‏
‏‏‏7-‏ الانفتاح على العالم لا يسوقنا إلى التحلل الخلقي حين. نفرق بين القيم والأدوات، فاستخدامنا للأدوات ‏والآلات الغربية تطور لأنهم سبقونا في هذه المرحلة الزمنية، ومعاداتها غباء لكن استيراد القيم إشكالية ‏سلوكية ومبدئية. ‏
على أن هناك قضايا لا يستطيع الخطاب تجاوزها مهما كان نوعه (إسلاميا أو غير إسلامي) فهي قضايا كبرى ‏مثل الجهل، والفقر ، والمرض، والبطالة، والتفكك، الاجتماعي، والتعليم، والمرأة، والتربية، والطفولة.. ومما ‏يثري الحديث حول هذه القضايا والاهتمام فهم ما لدى الآخرين والمقارنة معه وهو أساس لإنضاج الوعي.‏
إذا أردنا للخطاب الإسلامي أن يكسب فإن على العلماء والمفكرين أن يضفوا عليه مسحة بنائية إيجابية، نحو ‏
‏‏‏8-‏ النـزول بالخطاب إلى مشاكل الناس القريبة ولمس أوجه معاناتهم فلن يتسم الخطاب الإسلامي بسمة ‏‏(العملية) إذا أسرفنا في إطلاق الكلمات الرنانة النظرية والعاطفية، بل علينا أن نحاول ترجمة التزامنا ‏بديننا بالعمل من أجل مصلحة المجتمع
وبهذا يكون الخطاب قد تنوعت اهتماماته وأغراضه، والخطاب الذي يبتعد عن الواقع يفرض في النتيجة على ‏نفسه نوعاً من التهميش والعزلة.‏
إن الحديث مع ناس عاطلين عن العمل يجب أن يتركز على كيفية مساعدتهم على العثور على فرص عمل، وإن ‏الخطاب الموجه إلى الشباب ينبغي أن يهتم بمسائل الاختصاص العلمي والزواج وشؤون المستقبل. أما الخطاب ‏الموجه إلى التجار ورجال الأعمال فينبغي أن يركز على أخلاق المعاملات مع التحذير من الغش والخداع وأكل ‏الربا، .... الخ.‏
‏ ويفيد في الأسلوب العملي أن نحاول إثارة الأسئلة في الخطاب بدلا من الأسلوب التلقيني الصرف، ونحن ‏بهذا ندرب أذهان المتلقين على محاولة الإجابة، ونشعره بأن له دورا في الجواب، ‏
ومن المفيد أن يقلل الخطاب الإسلامي من كلمة (يجب) إلى كلمة (كيف). ‏
وإذا طلبنا من الناس أن يحرصوا على التخلص من عادة سيئة كالتسويف علينا أن نعلمهم كيف يضعون جدولاً ‏لتحركاتهم اليومية، وكلما انتهى المرء من قضاء أمر شطبه. وإذا انتهى اليوم ، وبقي في الجدول شيء فإنه يرحله ‏إلى اليوم التالي.‏
وحين نحاول الإجابة على بعض التساؤلات فيحسن استكشاف نتائج الخطاب العملية التي ينتجها توجيهنا في ‏الخطاب ، فالداعية المصلح لا يختلف عن طبيب كتب وصفة علاجية لمريض، فهل يجددها له كلما انتهت العبوة ‏الموصوفة، ويستمر في ذلك عقوداً من الزمان دون أن يسأله عما إذا كان يتحسن بسبب تناول ذلك الدواء، ‏ودون أن يسأله عن الأعراض الجانبية التي يسببها له ذلك الدواء.‏
‏‏‏9-‏ كلما اتجه الخطاب إلى الأصول والكليات والقواعد الكبرى يصادف الإجماع أو ما يشبه الإجماع، وحين ‏يتجه إلى المسائل الصغرى والجزئيات الفرعية والأساليب الخاصة فسوف يجد أمامه كثيرا من ‏الاختلاف.فلا بد من الاتساع العلمي المنهجي للخلافات العلمية الجزئية وبصدقنا نعبر عن احترام ‏بعضنا لبعض، احتراما للمنهج العلمي الذي نؤمن به. وكم نشأت من خلافات عكرت القلوب من أجل ‏قضايا فقهية خلافية، لم يستطع الفقهاء عبر القرون حسمها وإيجاد إجماع عليها، ويسعى بعضنا اليوم إلى ‏حسمها بنوع من المكارهة العلمية، فالداعية المخلص يشجع على أعمال الخير، ولو كان له فيها اجتهاد ‏مغاير.(وهو من أدب الخلاف).‏
ونحن نشاهد اليوم بين الدعاة من يتحدث في كثير من الأمور الفرعية بالقطع والجزم، ويدافع عن آرائه ‏دفاع المستميت ملغيا كل إمكانية للاجتهاد ورادًّا لأي نوع من الخلاف.‏
والأمور الإجرائية والتنظيمية تختلف بين زمان وزمان ومكان ومكان وهي مرتبطة بالتقدم الحضاري، ومن ‏لطف الله بعباده قلة النصوص الشرعية الواردة في الجزئيات، لتكون القواعد مرجع العلماء في الظروف ‏المختلفة.‏
‏‏‏10-‏ يساعد على التحول من الخطاب السلبي المؤلم إلى الخطاب الإيجابي الذي يبعث الأمل ويخلص ‏المجتمع من الإحباط تعريف الناس بمواطن القوة لديهم بتعريفهم أن تخصص كل واحد منهم يساهم ‏بعبادة إسلامية عملية، من خلال الإتقان والتميز والتكامل مع مجتمعه، ومحاولة بعث روح المبادرة .‏
وفي الحديث الصحيح: (لا يحقرن أحدكم شيئاً من المعروف،فإن لم يجد فليلق أخاه بوجه طلق) فكثير منن الناس ‏يزهدون في الأعمال الصغيرة ، ولا يقيمون لها وزنا، وهي عند الله تعالى عظيمة.‏
ينبغي أن نبث الأمل والاعتقاد بأن لدينا شيئًا نقدمه للأمة. ونحن نثق بصواب المنهج الإسلامي العام وملامسته ‏للفطرة، ونعتقد بأننا إذا أخلصنا وصدقنا فإن الله سيعيننا على بلوغ الكثير من أهدافنا، وإذا أصابنا القنوط من تغيير ‏مجتمعاتنا والارتقاء بواقعنا، فإننا نتحول فوراً من رواد نهوض وإصلاح إلى أن نصبح جزءاً من مشكلات الأمة.‏
ومن المناسب سوق الصور الإيجابية في حياتنا المعاصرة من غير مبالغة ولا تهويل ولا تجاوز للحقيقة. ولدينا ‏ناجحون كثيرون في أعمالهم، ولدينا إنجازات عملية كثيرة.‏
‏‏‏11-‏ لا ينبغي تجاهل الذوق الجديد الناتج عن الانفتاح المعلوماتي فهناك ظواهر جديدة مرصودة في ‏هذا الذوق الجديد منها:‏
• استهانة الجيل الجديد بالعقبات نتيجة تحسن الثقة الشبابية بالنفس واكتشاف القدرات.‏
• تعبير الجيل عن القلق بسبب رؤيته للفرص الضائعة والإمكانات المهدورة والأخطار المحدقة
• الرغبة العارمة في حرية البحث، والنفور من الانقياد إلى الأفكار والتقاليد الموروثة أو السائدة ‏
والنفور من الكلام الجازم القاطع الذي يظهر قائلة درجة عالية من الثقة بمعرفته وفكره ورأيه. ‏وهذه الظاهرة ناشئة من روح الشك السائدة في العصر الجديد، ونابعة من وفرة المعلومات التي ‏تؤمنها الشابكة (الانترنت).‏
• انتشار ثقافة التعاون والتواصل بين الشباب ومعاداة الشدة والعقاب.‏
• محاولات الإبداع بقطع النظر عن نتائجها، وتجاوز عقدة الخوف من الخطأ.‏
• ويقترن ما سبق بالشعور الواقعي بالضعف والحصار، والشعور بالضعف قد يسبب فقدان التوازن، ‏حيث يخبط المرء في كل الاتجاهات من غير تركيز.‏
فحين لا نراعي هذا المزاج الجديد في خطابنا الإسلامي لن نقدر على الدخول إلى قلوب الجيل الجديد وسوف ‏يكون متمردا على كل أنواع الخطاب التي يسمعها أو يقرأها.‏
إن من فقه الداعية أن يلاقوا من يحاولون التأثير فيهم في منتصف الطريق، بمعنى أن يتقدموا خطوة نحوهم، ويطلبوا ‏منهم أن يتقدموا نحوهم خطوة. ‏
وهو يتطلب في الداعية:‏
• مرونة ذهنية وقدرة على الاستيعاب وفهم الآخرين.‏
• طاقة روحية عالية
• استجابة لتحديات العصر وتلاؤم مع متطلبات العيش فيه في إطار الثوابت الإسلامية.‏
• التدريب على الفعل، دون تحول إلى مجرد ردود أفعال. وكان أحد المصلحين يقول: لا تنشغلوا بالرد على ‏الشيوعيين، ولكن ركزوا جهودكم على بيان الإسلام الصحيح.‏

‏‏‏12-‏ للبيئة أثر كبير في إخراج الرجال العظماء وإظهارهم وحين نذكر المآسي والنكبات التاريخية ‏مستحضرين بعض الشخصيات الإسلامية الفذة، فعلينا أن ندرك أن الحلول المعاصرة مع دخول ‏التعقيدات الجديدة لا ترتكز على انبثاق أفراد بمقدار ما تحتاج إلى جهود جماعية ومؤسساتية.‏
وأخيرا:‏
فهذه البنود ليست ورقة عمل حصرية لكنها تفتح أفق البحث في تطوير خطابنا، وتشارك في إثراء ‏أفكاره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.‏
أعلى الصفحة
مشاركة القراء
 
 

 

د. الحسيني
 
مواقع صديقة
موقع تعدد الزوجات الإسلامي
2or3or4.com